الشيخ محمد رشيد رضا

381

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يسومهم سوء العذاب ، أي يريده ويوقعه بهم ، عقابا على ظلمهم وفسقهم وفسادهم ، وهو مجاز من سوم الشيء ، كما يقال سامه خسفا . وسوء العذاب ما يسوء صاحبه ويذله ، وهو هنا سلب الملك ، وإخضاع القهر ومصداق هذا وتفصيله على ما قرّرنا قوله تعالى في أول سورة الإسراء ( وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً - إلى قوله - وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ) ثم قال ( عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا ) الآية أي وإن عدتم بعد عقاب المرة الآخرة إلى الافساد ، عدنا إلى التعذيب والاذلال ، وقد عادوا فسلط اللّه عليهم النصارى فسلبوا ملكهم الذي أقاموه بعد نجاتهم من السبي البابلي ، وقهروهم واستذلوهم ، ثم جاء الاسلام فعاداه منهم الذين كانوا هربوا من الذل والنكال ولجؤا إلى بلاد العرب فعاشوا فيها أعزاء آمنين ، ولم يفوا للنبي ( ص ) بما عاهدهم عليه إذ أمنهم على أنفسهم وأموالهم وحرية دينهم ، بل غدروا به وكادوا له ، ونصروا المشركين عليه ، فسلطه اللّه عليهم فقاتلهم فنصره عليهم ، فأجلى بعضهم ، وقتل بعضا ، وأجلى عمر من بقي منهم ، ثم فتح عمر سورية بعضها بالصلح كبيت المقدس ، وبعضها عنوة ، فصار اليهود من سيادة الروم الجائرة القاهرة فيها إلى سلطة الاسلام العادلة ، ولكنهم ظلوا أذلة بفقد الملك والاستقلال . وقد بينا حقيقة حالهم ، وما يحاولونه من استعادة ملكهم في هذا الزمان في غير هذا الموضع من هذا التفسير ، وفي مواضع من المنار إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ للأمم التي تفسق عن أمره وتفسد في الأرض فلا يتخلف عقابه عنها كما يتخلف عن بعض الأفراد ( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها - فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ - فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ) أي أمرناهم بالحق والعدل ، والرحمة والفضل ، فعصوا وفسقوا عن الأمر ، وأفسدوا وظلموا في الأرض ، فحق عليهم القول ، بمقتضى سنته تعالى في الخلق ، فحل بهم الهلاك على الفور وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب عقب الذنب ، وأصلح ما كان أفسد في